لماذا تموت المنتجات الجيدة خارج حدودها؟

لماذا تموت المنتجات الجيدة خارج حدودها؟

تجارة بلا حدود

تخيل علامة تجارية أوروبية عريقة ومرموقة للشوكولاتة، حققت نجاحًا ساحقًا وغير مسبوق في أسواقها المحلية بفضل عبوتها الفاخرة ذات اللون الأرجواني الداكن، وطعمها الغني المحشو بالبندق المحمص بعناية.

فشل المنتجات الجيدة عند التوسع في الأسواق العالمية
فشل المنتجات الجيدة عند التوسع في الأسواق العالمية

قررت الشركة، مدفوعة بنشوة النجاح وأرقام المبيعات القياسية، غزو السوق اليابانية بنفس الاستراتيجية، ونفس تصميم العبوة، ونفس الرسالة الإعلانية التي تمجد  الفخامة والثراء

 مرت الشهور تلو الشهور، وظلت الأرفف في طوكيو وأوساكا ممتلئة بالبضاعة المكدسة التي يغطيها الغبار، ولم يشترها أحد تقريبًا.

 الصدمة المدوية التي لم يدركها مديرو التسويق في مكاتبهم المكيفة بباريس هي أن اللون الأرجواني في الثقافة اليابانية التقليدية يرتبط أحيانًا بطقوس الموت والحزن، وأن الذائقة اليابانية تميل بالفطرة للنكهات الأقل حلاوة والأكثر دقة وتعقيدًا مثل الشاي الأخضر (الماتشا) أو الفاصوليا الحمراء.

 هنا، لم يكن المنتج  سيئًا  بمعايير الجودة التصنيعية؛

 فالمكونات ممتازة، والتغليف متقن، والسعر مدروس، لكنه كان  ميتًا  ثقافيًا ونفسيًا قبل أن يصل إلى فم المستهلك الأول.

 هذه القصة ليست من وحي الخيال، بل هي سيناريو يتكرر يوميًا وبشكل مؤلم مع آلاف الشركات الكبرى والصغرى التي تقع في فخ  العمى الثقافي ، معتقدة بسذاجة أن ما ينجح في القاهرة سينجح حتمًا في نيويورك، أو بكين، أو مومباي.

 هذا المقال المطول ليس مجرد درس نظري في الاقتصاد الدولي، بل هو تشريح جراحي عميق للفجوة الخفية والقاتلة بين  جودة المنتج  المادية و ملاءمة السوق  الثقافية، وكيف تتحول المزايا التنافسية في بلد ما إلى عيوب قاتلة في بلد آخر إذا لم يتم ترويضها بذكاء ثقافي حاد وبصيرة ثاقبة.

وهم القرية الصغيرة: سراب العولمة الخادع

تبدأ مأساتنا الحقيقية مع الفشل الدولي من خدعة بصرية كبرى رسختها في أذهاننا التكنولوجيا الحديثة وشبكات التواصل، وهي مقولة  العالم أصبح قرية صغيرة .

 صحيح أننا نستطيع التواصل بالصوت والصورة مع شخص في أقصى طوكيو في أجزاء من الثانية، وصحيح أننا نرتدي نفس العلامات التجارية للملابس الرياضية، لكن هذا التقارب الرقمي والظاهري لا يعني أبدًا أن  البنية العقلية  للمستهلك في طوكيو قد أصبحت مطابقة للبنية العقلية للمستهلك في الرياض أو الدار البيضاء.

 العولمة قربت المسافات الجغرافية وألغت الحدود الرقمية، لكنها لم تمحُ، وربما زادت من عمق وحساسية، الفروقات النفسية، والثقافية، والدينية العميقة المتجذرة في الشعوب منذ آلاف السنين.

عندما تطلق شركة ما منتجًا عالميًا معتمدًا على استراتيجية كسولة تسمى  مقاس واحد يناسب الجميع ، وتظن أن الجودة وحدها ستتحدث عن نفسها، فأنت في الحقيقة تراهن بمستقبل شركتك على فرضية خاطئة مفادها أن البشر قد تخلوا عن هوياتهم المحلية، وتاريخهم، وعاداتهم لصالح هوية عالمية موحدة ومسطحة، وهذا رهان خاسر بنسبة مئة بالمئة.

 الحقيقة السوسيولوجية تقول إن البشر يزدادون تمسكًا بخصوصيتهم الثقافية كنوع من  رد الفعل الدفاعي  اللاواعي ضد طوفان العولمة الذي يهدد بمحو خصوصيتهم، والمنتج الذي لا يحترم هذه الخصوصية ولا يخاطبها بذكاء يُعامل كجسم غريب ودخيل يلفظه الجهاز المناعي للمجتمع فورًا، تمامًا كما يلفظ الجسم العضو المزروع غير المتطابق.

لنتأمل حالة شركة منظفات أمريكية عملاقة تمتلك ميزانيات ضخمة، حاولت بيع مسحوق غسيل فائق الجودة في منطقة الشرق الأوسط باستخدام إعلان بصري صامت وبسيط يظهر ثلاثة مربعات متتالية: المربع الأيسر يظهر  غسيلاً متسخاً ، المربع الأوسط يظهر  وضع المسحوق ، والمربع الأيمن يظهر  غسيلاً ناصع البياض .

 فشلت الحملة فشلاً ذريعًا ومحرجًا لسبب بسيط جدًا وبديهي غاب عن الخبراء الغربيين: الجمهور المستهدف في العالم العربي يقرأ ويكتب وينظر للتسلسل الزمني من اليمين إلى اليسار، فما رأوه وفهموه من الإعلان هو قصة معكوسة ومضحكة لمسحوق يحول الملابس النظيفة والناصعة إلى ملابس قذرة ومبقعة! هنا، الجودة الكيميائية للمسحوق لا غبار عليها، وفعاليته مثبتة مخبريًا، وسعره منافس، لكن  الوعاء الثقافي  والسردي الذي قُدم فيه كان مثقوبًا ومعيبًا.

 الدرس القاسي هنا هو أن المنتج ليس مجرد  شيء  مادي ملموس، بل هو  حوار  وتواصل بين العلامة التجارية والمستهلك.

 إذا كانت لغة هذا الحوار (الرموز، الألوان، ترتيب الصور، القيم، طريقة الاستخدام) غير مفهومة أو مهينة للطرف الآخر، فإن الحوار ينقطع فورًا، والمنتج يموت وحيدًا على الأرفف مهما كانت جودته الفنية ومهما أنفقت عليه من إعلانات.

 التوطين التسويقي ليس مجرد ترجمة للنصوص من لغة لأخرى، بل هو إعادة هندسة كاملة وشاملة لتجربة المنتج لتتناغم مع النبض الثقافي والاجتماعي للسوق الجديد.

المركزية الذاتية: عندما نرى العالم بمرآة الغرور

من الأسباب النفسية العميقة والخفية لفشل المنتجات الجيدة عالميًا هو ما يسميه علماء النفس السلوكي  التحيز للمرجعية الذاتية .

 المديرون، وصناع القرار، والمصممون في المقرات الرئيسية للشركات يميلون لا شعوريًا وبشكل تلقائي لافتراض أن تفضيلاتهم الشخصية، وسلوكياتهم اليومية، وقيمهم الأخلاقية والجمالية هي  المعيار الطبيعي والإنساني  للبشرية جمعاء، وأن أي اختلاف عنها هو مجرد انحراف بسيط أو تخلف يجب تصحيحه أو تجاهله.

عندما يقرر مدير تنفيذي أوروبي يعيش في فيلا واسعة أن غسالة الصحون التي تنتجها شركته يجب أن تكون كبيرة الحجم لتسع ولائم العشاء العائلية والضيوف، فهو يفترض ضمنيًا أن العالم كله يقيم ولائم عشاء بنفس الطريقة التي يفعلها هو، متجاهلاً حقيقة صارخة أن المطابخ في شقق مدن آسيوية مكتظة مثل هونغ كونغ أو طوكيو ضيقة جدًا ولا تتسع إلا لغسالة بحجم فرن الميكروويف الصغير.

اقرأ ايضا: لماذا يدمّرك التسعير المحلي عندما تعمل مع عملاء الخارج؟

 هذا العمى الناتج عن الغرور المؤسسي والانغلاق يحجب الرؤية عن الاحتياجات الحقيقية والواقعية للمستهلك المحلي، ويحول الشركة من  خادم  يسعى لحل مشاكل السوق إلى  مستعمر ثقافي  يحاول فرض نمط حياته وأدواته على شعوب لها ظروف مختلفة تمامًا.

خذ مثالاً آخر صارخاً من قطاع السيارات؛ شركة أمريكية رائدة حاولت تسويق سيارة عائلية ضخمة وواسعة في شوارع مدن أوروبية تاريخية ضيقة ومتعرجة.

 السيارة كانت تحفة هندسية من حيث القوة، والراحة، والأمان، لكنها كانت  كابوسًا لوجستيًا  للسائق الأوروبي الذي لا يجد مكانًا لصفها، ولا يستطيع المناورة بها في الأزقة القديمة التي صممت للعربات والخيول قبل قرون.

 المستهلك هنا لم يرفض  الجودة  أو  الرفاهية ، بل رفض  عدم الملاءمة  لواقعه اليومي.

 النجاح العالمي يتطلب تواضعًا فكريًا كبيرًا، وقدرة نادرة على خلع نظارة ثقافتك الخاصة وارتداء نظارة المستهلك المحلي لترى العالم بعينيه هو، ومن زاويته هو، لا بعينيك أنت.

 الذكاء الثقافي يعني أن تدرك بعمق أن ما تعتبره  رفاهية  في بلدك قد يكون  عبئًا  ثقيلاً في مكان آخر، وما تراه  ضرورة  أساسية قد يكون  ترفًا  لا معنى له ولا حاجة له.

 الشركات التي تنجح عالميًا هي التي تمتلك آذانًا كبيرة للاستماع بهموم الناس، وعيونًا مفتوحة للملاحظة الدقيقة، وقلبًا خاليًا من الأحكام المسبقة والاستعلاء.

الألغام اللغوية: حينما تصبح العلامة التجارية نكتة

لا يمكن الحديث عن الفشل الدولي وتحديات التصدير دون التطرق إلى حقل  الألغام اللغوية  المتفجرة التي تنسف جهود العلامات التجارية في ثوانٍ.

 اللغة ليست مجرد قاموس للكلمات الجامدة وقواعد النحو، بل هي مخزن حي للذاكرة الجماعية للشعوب، وللدلالات الخفية، والتورية، والرموز التاريخية.

 الاعتماد الكسول على الترجمة الحرفية أو برامج الترجمة الآلية لأسماء المنتجات والشعارات هو أقصر وأسرع طريق لتحويل علامة تجارية جادة ومحترمة إلى أضحوكة عالمية ومادة دسمة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي.

التاريخ التسويقي مليء بجثث المنتجات التي سقطت وسُحبت من الأسواق بسبب اسم غير موفق فقط.

 سيارة شهيرة وعملية أطلقت في أسواق أمريكا اللاتينية باسم يعني حرفيًا  لا تتحرك  أو  لا تسير  في اللهجة العامية الإسبانية، فمن العاقل الذي سيشتري سيارة اسمها يعده بالعطل والتوقف؟

 ومشروب غازي عالمي تُرجم شعاره الشهير  يحييك من جديد  أو يبعث فيك النشاط  إلى اللغة الصينية بشكل حرفي خاطئ ليصبح  يوقظ أجدادك من القبور ، مما أثار الرعب والاشمئزاز بدلاً من الانتعاش والحيوية، لأن ذكر الموت والأجداد في سياق المشروبات يعتبر فألاً سيئاً جداً في الثقافة الصينية.

الطقوس الخفية: عادات الاستخدام التي لا تظهر في البيانات

أعمق وأخطر أنواع الفشل التجاري الدولي يأتي من الجهل المطبق بـ  الطقوس والعادات اليومية  الدقيقة والصغيرة للمستهلكين، والتي لا تظهر عادة في دراسات السوق السطحية والأرقام الإحصائية الكبيرة.

 كيف يستخدم الناس المنتج فعليًا في حياتهم الخاصة؟

 متى يستخدمونه؟

 ومع من؟

 وأين

 هذه التفاصيل الصغيرة والهامشية هي التي تصنع الفرق الجوهري بين منتج يصبح  جزءاً لا يتجزأ من الروتين اليومي  ومنتج يظل  ديكوراً  غريباً على الرف.

شركة عالمية شهيرة لحبوب الإفطار (الكورن فليكس) حاولت دخول السوق الهندية الضخمة والواعدة معتمدة على فكرة  الإفطار السريع، والمغذي، والمريح  بالحليب البارد، وهي الفكرة التي نجحت في الغرب لعقود.

 فشلت الحملة في الهند فشلاً ذريعًا لسنوات، لماذا؟

لأن الإفطار الهندي التقليدي هو وجبة ساخنة، مالحة، مطبوخة طازجاً، وتعتبر مناسبة اجتماعية للعائلة.

 فكرة سكب حليب بارد على رقائق مقرمشة بدت للمستهلك الهندي غريبة جداً، وباردة، وغير مشبعة، بل وتتعارض مع مفهومهم الصحي المتوارث عن الوجبة الصباحية التي يجب أن تدفئ الجسد.

 المنتج كان ممتازاً وصحياً، لكنه اصطدم بجدار صلب من العادات الغذائية العميقة.

 كان الحل يتطلب ابتكار نكهات ساخنة أو تغيير طريقة التقديم بالكامل لتناسب الذوق المحلي.

مثال آخر صارخ من عالم التكنولوجيا والتطبيقات؛ تطبيق للتجارة الإلكترونية صمم بواجهة نظيفة جداً، وبسيطة، وخالية من العناصر المشتتة حقق نجاحاً باهراً في أوروبا وأمريكا، لكنه فشل في الصين فشلاً محيراً.

 لماذا؟

 لأن المستخدم الصيني الرقمي يفضل المواقع المزدحمة بالمعلومات، والروابط الكثيرة، والصور المتداخلة، والنوافذ المنبثقة، حيث يرى في  الزحام الرقمي  دليلاً على الثراء، والوفرة، والنشاط التجاري الكبير، والخيارات المتعددة، بينما يرى في  البساطة والفراغ الأبيض  فقراً في العروض وضعفاً في الشركة.

 هنا، تصميم تجربة المستخدم  لم يراعِ  النموذج الذهني  والجمالي للمستخدم المحلي.

النجاح الدولي يتطلب غوصًا أنثروبولوجيًا (دراسة الإنسان وسلوكه) في حياة الناس الواقعية.

 يجب أن تراقب كيف يفتحون العلبة بأيديهم، أين يخزنونها في مطابخهم، كيف يتخلصون منها في نفاياتهم.

 قد تكتشف أنك بحاجة لتغيير حجم العبوة لأن الثلاجات في هذا البلد صغيرة جداً، أو تغيير طريقة الفتح لأنهم اعتادوا فتح المنتجات بطريقة معينة، أو لأنهم يشترون بالقطعة وليس بالجملة.

 هذه التفاصيل  التافهة  في نظر المخطط الاستراتيجي الجالس في البرج العاجي هي  الجوهر  والأساس في نظر المستخدم اليومي الذي يدفع المال.

متاهة القوانين وسلاسل الإمداد: الجانب الخفي للجودة

خلف واجهة التسويق البراقة والثقافة، يكمن وحش آخر صامت يلتهم المنتجات الجيدة بلا رحمة:  البيئة التنظيمية واللوجستية المعقدة .

 كل سوق دولي له  شفرة قانونية  وبيروقراطية خاصة ومعقدة تتجاوز مجرد دفع الرسوم الجمركية التقليدية.

 قد تكون هناك قيود صارمة وغير متوقعة على المكونات، أو معايير سلامة محددة جداً، أو قوانين صارمة لحماية البيانات والخصوصية، أو حتى متطلبات خاصة ومعقدة للتخلص من النفايات وإعادة التدوير.

منتج تجميل (كريم بشرة) ناجح جدًا ومشهور في كوريا الجنوبية قد يُمنع دخوله تماماً لأسواق الاتحاد الأوروبي لأن أحد مكوناته الفعالة والطبيعية غير مدرج في القائمة البيضاء المعتمدة للمواد الكيميائية في أوروبا.

 هنا، المنتج  جيد  وفعال وآمن، لكنه  غير قانوني  وفقاً لمعايير هذا السوق.

 الجهل بهذه التفاصيل التقنية الدقيقة قبل الإطلاق يؤدي إلى احتجاز البضائع في الموانئ لأشهر، وتلفها، وتكبد خسائر مالية فادحة، وتشويه سمعة العلامة التجارية لدى الموزعين قبل أن تبدأ البيع حتى.

الأمر لا يقتصر على القوانين المكتوبة في الدساتير، بل يشمل  قوانين السوق غير المكتوبة  وشبكات التوزيع المعقدة والمحلية.

 في بعض الدول النامية والأسواق الناشئة، لا يمكنك الوصول للمستهلك الحقيقي عبر المتاجر الكبرى والحديثة لأن 80% أو 90% من حجم التجارة اليومية يتم عبر أكشاك صغيرة جداً ومتناثرة في الأحياء الشعبية والأزقة الضيقة (البقالات).

 إذا صممت نظام التوزيع واللوجستيات الخاص بك ليعتمد على الشاحنات الكبيرة والمخازن المركزية الضخمة فقط، فلن تصل أبدًا لهذه الأكشاك الضيقة، وبالتالي لن تصل للمستهلك الحقيقي الذي يشتري منها يومياً.

 فهم  تضاريس السوق  اللوجستية والجغرافية هو جزء لا يتجزأ من جودة المنتج الشاملة.

 المنتج الجيد في عرف التجارة هو المنتج الذي  يصل  بحالة جيدة، وسعر مناسب، وفي الوقت المناسب للمكان الذي يتواجد فيه المشتري بالفعل.

 الفشل في تأمين سلسلة إمداد مرنة ومتكيفة مع واقع البلد يعني أن منتجك سيظل مجرد صورة جميلة في إعلان تلفزيوني، لا واقعًا ملموسًا في يد العميل.

ديفيد وجالوت: خطيئة الاستعلاء على المنافس المحلي

خطأ قاتل ومتكرر آخر يقع فيه العمالقة والشركات الدولية هو الاستهانة والاستعلاء على  المنافس المحلي  الصغير.

 الشركات العالمية تدخل الأسواق الجديدة وهي تظن بغرور أن اسمها اللامع، وتاريخها العريق، وميزانيتها الإعلانية الضخمة كفيلة بسحق أي منافسة محلية  صغيرة  أو  تقليدية .

 لكنها تفاجأ في كثير من الأحيان بأن هذا المنافس الصغير والمغمور عالمياً يمتلك ميزة استراتيجية لا تُشترى بالمال ولا بالتكنولوجيا:  الفهم الفطري والعميق للأرض وللناس .

المنافس المحلي يعرف خبايا الذوق العام وتغيراته الدقيقة، ويمتلك علاقات شخصية ومتجذرة مع الموزعين وتجار التجزئة، ويستطيع التحرك بمرونة وسرعة مذهلة لتعديل منتجاته أو أسعاره استجابة للسوق، بينما الشركة العالمية العملاقة تحتاج لشهور طويلة وسلسلة من الاجتماعات المعقدة للحصول على موافقة المقر الرئيسي في بلد آخر على تغيير بسيط في السعر أو العبوة.

 قصة شركات القهوة العالمية الشهيرة التي عانت بشدة وفشلت في السيطرة على أسواق مثل فيتنام أو أستراليا بسبب وجود ثقافة قهوة محلية قوية، وعريقة، ومتجذرة، ومنافسين محليين يقدمون منتجاً يناسب الذوق المحلي تماماً وبسعر أفضل، هي خير مثال ودليل.

المنتج بقلب عالمي ووجه محلي

في نهاية المطاف،إن مقبرة المنتجات العالمية مليئة بشواهد قبور لمنتجات كانت  رائعة  ومثالية في مختبراتها ومصانعها الأصلية، لكنها كانت  غبية  وغير ملائمة في أسواقها الجديدة.

 الفشل الدولي نادرًا ما يكون بسبب ضعف التكنولوجيا، أو رداءة التصنيع، أو نقص الميزانية، بل هو دائمًا تقريبًا  فشل في التواصل ، وفشل في التواضع، وفشل في التكيف وفهم الآخر.

 العالم ليس سوقًا واحدًا متجانساً، بل هو فسيفساء معقدة ورائعة من الرغبات، والمخاوف، والعادات، والقصص المتداخلة.

المنتج الناجح عالميًا هو الذي يمتلك  قلبًا عالميًا  بمعايير الجودة والتصنيع، و وجهًا محليًا  بالملامح، واللسان، والروح.

اقرأ ايضا: لماذا تفشل التجارة العابرة للحدود رغم جودة المنتج؟

 في المرة القادمة التي تفكر فيها شركتك في عبور الحدود وتصدير منتجها، لا تحمل معك فقط بضاعتك المادية، بل احمل معك فضولك الشديد، واحترامك العميق للاختلاف، واستعدادك الكامل للتغيير والتعديل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال